صديق الحسيني القنوجي البخاري
105
فتح البيان في مقاصد القرآن
الكثير العلم بخلقه ، وما يقولونه ويفعلونه ، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين . غافِرِ الذَّنْبِ أي ذنب المؤمنين ، وعن ابن عمر قال : ساتر الذنب لمن يقول : لا إله إلا اللّه وَقابِلِ التَّوْبِ أي توبة الراجعين أو عمن يقول : لا إله إلا اللّه . والتوب والثوب والأوب أخوات في معنى الرجوع مصادر ، وقال الأخفش : التوب جمع توبة ، كدوم ودومة ، وإدخال الواو في هذا الوصف لإفادة الجمع للمذنب التائب بين قبول توبته ومحو حوبته قاله العمادي أو لتغاير الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد قاله البيضاوي . شَدِيدِ الْعِقابِ أي مشدودة لمن لا يقول : لا إله إلا اللّه ، أو على المخالفين والكافرين ، وقيل : قابل التوب لأوليائه ، وشديد العقاب لأعدائه وقيل قابل التوب من الشرك وشديد العقاب لمن لا يوحده ذِي الطَّوْلِ أي ذي الفضل على العارفين ، أو الغني عن كل العالمين وأصل الطول الانعام والتفضل أي ذي الانعام على عباده والتفضل عليهم ، وقال مجاهد وابن عباس : ذي الغنى والسعة ، ومنه قوله : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا [ النساء : 25 ] أي غنى وسعة ، وقال عكرمة : ذي المن قال الجوهري والطول بالفتح لمن يقال : منه طال عليه ويطول عليه إذا امتن عليه . وقال محمد بن كعب : ذي التفضل قال الماوردي والفرق بين المن والتفضل أن المن عفو عن ذنب ، والتفضل إحسان غير مستحق ، واللّه سبحانه موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات ، فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة ، وقال السمين : فيها ثلاثة أوجه أحدها أنها كلها صفات للجلالة ، الثاني أن الكل أبدال ، لأن اضافتها غير محضة الثالث أن غافر وقابل نعتان ، وشديد العقاب بدل انتهى . ثم ذكر ما يدل على توحيده ، وأنه الحقيق بالعبادة فقال : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ استئناف أو حال لازمة ، وقال أبو البقاء : صفة قال ابن عادل : وهذا على ظاهره فاسد ، لأن الجملة لا تكون صفة للمعارف ، ويمكن أن يريد أنه صفة لشديد العقاب لأنه لم يتعرف عنده بالإضافة إِلَيْهِ لا إلى غير الْمَصِيرُ أي مصير من يقول لا إله إلا اللّه فيدخل الجنة ومصير من لا يقول لا إله إلا اللّه فيدخل النار ، وذلك في اليوم الآخر ، قال الكرخي حال من الجملة قبله . أخرج أبو عبيدة وابن سعد ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قرأ حم المؤمن إلى : إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح » . ثم لما ذكر اللّه سبحانه أن القرآن كتاب اللّه أنزله ليهتدى به في الدين . ذكر أحوال من يجادل فيه لقصد إبطاله فقال : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 4 إلى 6 ] ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ( 4 ) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ( 5 ) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 6 )